مقالات
أخر الأخبار

تحليلات سوسيو سيكولوجية لا بدّ منها:

تحليلات سوسيو سيكولوجية لا بدَّ منها

بقلم: حسين أكرم غويلي

 

الفيسبوك لعنة في حدِّ ذاته، ويطلق عنان البذاءة بلا رقيب، ويكفي أنْ تقرأ ردود المواقع على بعضهم، بالذات لدى وجود خلاف سياسي.
مؤخرًا وجدتُ حوارًا (سياسيًا) بين شاب مثقف أحترمه وأثق برجاحة عقله، مع مجموعة من خصومه. وجدتُ كمية شتائم وابتذال لا يمكن وصفهما، لدرجة أن الشاب المثقف سقط من نظري تمامًا، وكففت عن مراسلته، أو الرد على مكالماته. لقد مشيت في جنازته بشكل مجازي.
قال لي العارفون: إنَّ هذه موضة شبابية من سمات الروشنة، أن تظهر أنّك ولد بذيء جدًا وصايع، لا تتورع عن شيء.
هذا لم يعد زمني كما هو واضح، وقواعد اللعبة تغيرت، وككل من سبقوني أردد نفس العبارة: ربّنا أخرجنا منها على خير.
د. أحمد خالد توفيق أجزاء من مقال بعنوان (إباحة)/ بتاريخ (٢٨/٧/٢٠١5)

يُقال شيوعًا عند بعض الناضجين عراقيًا: أنَّ الفيسبوك أفسد المجتمع!
وبالحقيقة هو لم يفسدهم بتاتًا؛ بل أظهر لمستخدميه حقيقة الجوف (الفكري-النفسي) للمستخدم، فالإنسان لا يُعرف إلّا بكلامه، وكما قال سقراط قولته المشهورة: “تكلم حتى أراك”، فقديمًا كان الإنسان مخبوء بين فكيه بلسانه، وباللسان تُعرف الرجال،…

الآن لا يحتاج الإنسان للسانه كي يُعرّف به، فقط ضغطات صغيرة بكيبورد جهازه الإلكتروني يُخرج ما هو مكنون من مكنونات دواخله، والبعض يسميه شيوعًا بالقناع الافتراضي للإنسان، وهو ليس بقناعٍ بالمطلق؛ كون الذي يضغط حروف الكيبورد هو هو، كما هو، وأينما هو، فقط النقص حركة اللسان وإيماءات الجسم والوجه، ربما العالم الافتراضي أوسع وأسهل من الواقع الجسماني لإخراج ما هو كامن ومخبأ تحت جوف حنايا الفؤاد والنفس الغائرة.

ندخل بصلب الموضوع بعد هذه المقدمة المُسهبة: هنالك ازدواجية مقيتة لدى الإنسان العراقي العصري، سيما واضح ذلك فيسبوكيًا -إنْ صح التعبير مجازيًا- نراه يندفع بقوة هائلة، وبعنفوان شديد، وحماسٍ عالٍ في السلوك الإلكتروني عند حصول حالة مجتمعية في الواقع، وبعدوى يُهرول من يقرأ ذلك الحماس ويُصاب بداء العدوى منه، ويقلده، وبدورهما يُقلدانهما الغير، حتى يصبح بعد ذلك بسلوك جمعي -ما يسمى اصطلاحًا العقل الجمعي-، ولكن الغريب يخفت هذا الحماس الجماعي بشدة هائلة، كما تكون بسرعة يختفي بسرعة، ويصبح فيما بعد أدراج النسيان، ويتلاشى مع قمامة التأريخ المجتمعي للمجتمع العراقي.

لنأخذ مثال لذلك واقعيًا: منذ حصول انتفاضة تشرين (أكتوبر/ ٢٠١٩) الحالية برز شعور وطني جمعي لدى الغالبية من المجتمع، وتحفز (عامة، وخاصة) المجتمع، فبرز الحس الوطني الثوري الجياش (وهي حالة صحية بلا شك)، بعد ذلك بأيام قلائل انشطر المجتمع لفئتين (مؤيدة لشخصٌ ما، ورافضة له) كشخصية تتولى زمام الحكم للبد، كدعم شعبي واضح، يقابله رفض خجول تارةً وبشدة تارةً أخرى (وهي حالة صحية أيضًا)، وتتسارع أحداث الشارع ويتسارع معه مجرى الظرف الراهن بسرعة شديدة، حتى حدوث حالة الدهشة الممزوجة بالصدمة المجتمعية السياسية باغتيال القوات الأمريكية لنائب الحشد الشعبي “أبو مهدي المهندس”، وبرفقته قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال “قاسم سليماني” فجر يوم (3/1/2020) في بغداد، فانفجر الشارع لمؤيد ورافض لهذا الفعل (كذلك حالة صحية)، لكن المُلفت للنظر حصول حالة السب والشتم، والتنكيل، والتجريم، والخيانة الوطنية بين كل طرف للآخر، ونذر بحالته القصوى ببروز كل طرف رأي معين ومن يخالفه يعاقب بالطرد والحظر من صفحته الشخصية؛ هذا نذر بتفكك علاقات شخصية على أرض الواقع بفعل التكنولوجيا الفيسبوكية الافتراضية، وممزوج بالخدوش والجروح لكل طرف تجاه بعضهما البعض.
هذا يستدعي منّا إعادة قراءة السلوك السوسيو سيكولوجي للفرد وللمجتمع برمته؛ كون نظريات د. علي الوردي لتحليله الاجتماعي لشخصية الفرد العراقي قد فاتَ أُكلها، ولم تعد بصحيحة وفق التكنولوجيا الرقمية الحديثة، ويستدعي منا بروز شخصيات أكاديمية تحليلية نفسية اجتماعية تدرس من جديد هذه السلوكيات المستهجنة في بنية الفرد العراقي الجمعي، سيما الشباب منهم تحديدًا، وقليلًا عند من هم أكبر سنًّا.

تغير السلوك الجمعي بسبب تغير السلوك الفردي لمكوناته التركيبية له، منذرًا بانحدار للأسوأ لا للأفضل في أغلب الأحيان، يستدعي منّا التنقيب لمثل هكذا سلوكيات مستهجنة وفضفاضة تنم على جهل الإنسان لا رجاحة عقله.
آملين بالمختصين دراسة السلوك الاجتماعي والفردي للشخصية العراقية وفق مجريات الواقع الحالية، لينتجوا لنا تفسيرات ومن ثم علاجات ناجعة لهذا الخلل.

#حسين_أكرم_غويلي

#ببليوثيرابيا_Biliotherapy

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق