مقالات
أخر الأخبار

«التعايش إلى أين»

«التعايش إلى أين»

«التعايش إلى أين»

 

بقلم: أحمد فائق السالم

الضعف، الحقد، الفراغ الفكري، فقر الوعي… كلُّها عوامل جوهرية مناقضة لمبدأ التنوع، وهو العَصبُ الأهم في ظِل تَفاقُم أزمة التعايش السلمي بين المجتمعات والأفراد، سَواء على مستوى العراق خُصوصًا، أو العالم بِشكلٍ عام وتراجع مبدأ تقبل الآخر وانقياد بعض الأفراد للتعصب وعدم تقبل الاختلاف.

مِنْ مُنطلقِ مَبدأ العَيش بَين أفراد المُجتمع، هو أمرٌ قد يصب في مَصلحة تَطور البلاد نحو مُستَقبلٍ زاهرٍ، بعيدًا عن ضَوضاء الحروب وانتكاسات المجتمعات، والحديث عَنْ أوربا وما كانوا عليهِ في القرون الماضية؛ حيث كانَ الظلام يسيطر عليها فكريًا! بسبب عَدم قُدرتهم على تقبل العيش متنوعين بأفكارهم، وقومياتهم.

كما ظَهرَ هذا المفهوم، في أوربا بَعد الحرب العالمية الثانية، حين كانَ هناك نظامان مختلفان جوهريًا: “نظام الدول الاشتراكية المُتمثلة بالاتحاد السوفيتي، ونظام رأسمالي متمثل في أمريكا”، في ظل هذه الظروف نشأت فكرة التعايش السلمي بين نظامين مختلفين جوهريًا.

 

مشكلة عَدم تَقبل الاختلاف معَ الآخر والالتزام بالروح الإنسانية التي منحها الله إلى خلقه، تحت مظلة الوئام، وكما قال الرَسول: (صَلى الله عليهِ وسلم) (كُلِكُم مِنْ آدم، وآدم من تراب)، مِنْ هنا نجد عَدَم التفرقة بَينَ الجِنس البشري بشكل عام، وهذا ما نصت عليهُ الثقافات الإسلامية للحدِّ مِنْ مَخاطر عدم التآلف، وما يَترَتب عليهِ من مَخاطر جسيمة تؤدي إلى تمزق النسيج المجتمعي.

ما يحصل في العراق على وجه الخصوص، هو الأهم على الساحة، فما نشاهدهُ من تمزيق للصف العراقي، وما يريدهُ ضِعاف النفوس أن يجدوا طريقة تسود فيها لغة الحقد والاقتتال… سواء على مستوى الطوائف المتعددة في العراق، أو القوميات؛ لذا حث الإسلام على مبدأ التعارف بَينَ الناس، ونَبَذ الفرقة، وكما قالَ تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات/ 13. فَمُنذ آلاف السُنين كان العراق، مُتَعددّ القوميات والطوائف، وكلما أزداد الوئام بين الأفراد، وكما قيل: (لولا الوئام لهلك الأنام)، {مثل عربي قديم}؛ ازدادت قوةَ النَسيجِ الاجتماعي فيما بينناَ، ومِن ما ذَكرنا سالفًا نَجدُ أنَّ الألفة بين الأديانِ، والمَذاهبِ، والقومياتِ، وحُرية مُمارسة الشعائر لكلِّ مَذهبٍ دُون المساس بالطرف الآخر أو الإساءة له؛ وأكدَّ “الإسلام” على توطيد مبادئ التآلف بين النّاس وكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يأطر العلاقة بين القبائل المُجاورة له، دون العرق، والدين، واللون.

كما وأثبتت إحصاءات، إنّ دولة الإمارات مِنْ بين الدول التي تحتل المرتبة الأولى عالميًا في التعايش السلمي؛ كونها تضم العديد من الجنسيات مِن كافة البلدان المختلفة، وكذلك الأديان والقوميات وحتى الأقليات، وفقًا للتقرير السنوي لعام (٢٠١٤م) للمنظمة العالمية للسلم والرعاية والإغاثة التابعة للأمم المتحدة، والذي تَمَ النشر عنها أثر الاحتفالية في (إمارة الشارقة)، وذلك بِمناسبة اليَوم العالمي للسلامِ، وتَعد الإمارات أنموذج للتعايش وإعطاء الحقوق لكافة الجنسيات المُختلفة في ظل اختلاف الثقافات بين الدول، وفي ظل تأزم الحياة أثر الاقتتال الطائفي، والعنصري الذي تشهدهُ العديد من الدول.

ما يَحدُث اليوم في العراق هو بمثابة دَسّ السموم بَين أبناء البلد الواحد الذي لطالما عاش موحدًا حاضناً لكل الأديان والقوميات في ظل تعاقب الحاضرات في بلاد الرافدين وتنوع المذاهب. إن من أهم عوامل تطور البلدان هي بالأساس مسألة الوفاق بينهم، وتقبل الآخر بكل روح وإعطاء مساحة كافية للتعبير دون المساس بأحد أو التأثير؛ إنّ حرية التعبير عن الرأي لها كُلفة باهظة في العراق، لذلك يَجب على مَنْ يترأس الهَرَمَ في البلد أنْ يؤسس لهذه المفاهيم ويضع قوانين صارمة للحدِّ من هذهِ الظاهرة التي لطالما فَتكت في شعوب أرجعتها إلى الهاوية.

مِنْ هذا المنطلق، ومن حُبِنا لبلدنا وللارتقاء بواقع البلد نحو مستقبل زاهر؛ يجب أن نَعِ مبدأ تقبل الرأي الآخر بدون تجريح، وأن نؤسس لمبادئ “العيش، والوئام”، وأن نبني العقول قبل الأجسام، وكذلك على منظمات “المجتمع المدني” أن تأخذ دورها لتغيير المفاهيم المغالطة لدى المجتمع، وعلى الطبقة المثقفة أن تأخذ دورها على مَحمل الجِدِّ في تطبيق وترسيخ هذه المفاهيم، وأن تضع الدولة قوانين صارمة لترتقي بواقع العيش الرغيد، وعلى كلِّ فَردٍ مِنَ الشعب أن تكون لهُ مسؤولية تجاه نفسهِ أولاً، والمجتمع ثانياً؛ لِتوطيد هذه العلاقة بين أبناء الشعب الواحد بكافة القوميات، والطوائف، لبلد يتسع لأهلهِ أولاً ولكل ضَيف مرحب بهِ على أرض “المحبةِ والسلام” أرض الرافدين.

#احمد_السالم

#ببليوثيرابيا_Bibliotherapy

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق