مقالات
أخر الأخبار

«انتحار… مع سَبق الإصرار، والترصُد! »

«انتحار… مع سَبق الإصرار، والترصُد! »

 

الكاتبة: آيات عادل اللامي

 

تزايدت نسبة حالات الانتحار في عموم البلاد، مع غياب إحصائيات دقيقة، عن حجم الحالة، وتفاقمها إلّا أن المُتَتبع لهذا الموضوع، وتقارير المراكز المعنية بحقوق الإنسان، تُشير إلى تزايد وتائرها، رغم التحذير عنها، وتحريمها في ظل الشرائع السماوية، والأعراف الاجتماعية، والقانون الوضعي.

قال تعالى: }وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا{ (1). لكننا نرى ازدياد أعداد المنتحرين خلال الفترة الأخيرة، إذ تكاد لا تمُّر مدة قصيرة، دون سماع خبر انتحار شاب، وقد أشارت تقارير نشرتها منظمات حقوق الإنسان في العراق؛ إنَّ حالات الانتحار بلغت (٢٠٠٠) حالة، وبدوافع مختلفة (٢)، وهذا الأمر في غاية الخطورة، ويتطلب الوقوف عنده، لمعرفة الأسباب، ومحاولة إيجاد الحلول، للتقليل، والحد من هذه الظاهرة السلبية.

 

قد جَرّم القانون العراقي الانتحار، وعَدّ التحريض، والمساعدة عليه جناية، يُعاقَب صاحبها بالسجن لمدة لا تزيد عن سبع سنوات(٣)، أي إن من يُحَبب الانتحار لدى شخص يائس، ويرَّغبهُ فيه، ويساعده مادياً، أو معنوياً على ذلك، سيكون في عِداد المُجرمين.

ويُعزو الكثير من ذوي المنتحرين السبب، بعدم توافر «فرص العمل”، أي لأن العمل غير متوفر، ولأنّ الحياة بائسة، وغير عادلة غالباً… هيا بنا ننتحر، وهنا لا بدَّ أن أعود بذاكرتي البسيطة إلى السنوات الأخيرة من القرن العشرين، وما عاناه آبائنا أيام الحصار، في سبيل توفير حياة مناسبة، ولقمة عيش يُشبِعون بها كرامتهم قبل بطونهم، ومع ذلك لم نلاحظ هذا الكم الهائل من حالات الانتحار.

إذاً البطالة ليست السبب الأساسي بل هي شماعة سهلة التداول تُعَلَّق عليها بقية الأسباب الدفينة، الناتجة عن تفسخات المجتمع، فالخلافات العائلية التي تؤثر كثيراً في نفوس الأبناء، كإهمال الأب، والأم لأولادهم، وعدم مراقبتهم، والسؤال عنهم، التعامل معهم بشكلٍ سيء، وعدم احتواءهم بكلام مُشجع يُحفزهم على أن يكونوا الأفضل دائماً، ما أدى إلى دخولهم في بئرٍ مُظلم غَيَّبهم، ودمر عقولهم وهنا أعني الأجهزة الإلكترونية وما سببته من خرابٍ في عقول المراهقين، مثل الألعاب الإلكترونية التي تحوي مشاهد عنف، وبعضها يشجع على الانتحار، وكالعلاقات الغرامية الطائشة وما يعقبها من صدمات عاطفية متتالية تسبب أزمة نفسية، إضافة إلى سبب آخر لا يقل خطورة عن غيره وهو نوع البث التلفزيوني غير الهادف متمثلاً بالدراما التي جَمَّلت الانتحار في عقول الشباب وإخراجه بصورةٍ عاطفيةٍ، فيشعر الشاب بانتصاره على الظلم وهو يُلقي بنفسه من أعلى مكان مع موسيقى خيالية، وقفزة دراماتيكية تُعطيه انطباعاً إن ما ينتظره أجمل، وأفضل من واقعه، إلّا أن الحقيقة المؤلمة هي الموت ولا شيء آخر، والكثير من الأسباب النفسية التي تحتاج إلى تدخل سريع قبل فوات الأوان.

ولِتجنب هذه الظاهرة، والحد منها ينبغي قدر الإمكان:

  • التكتم عن أي حالة انتحار تحدث، ومنع نشرها في وسائل التواصل الاجتماعي، حفاظاً على الخصوصية.
  • عدم إعطاء تبريرات لما قاموا به، فقد يتعاطف الكثير مع المُنتَحر، ولا أنكر إني انجرفت معهم بتيار التعاطف، ومنحتهم بداخلي تبريرات عديدة، لكن ألّا يُعد التبرير لمثل هكذا فعل إجرامي؛ تحريض ضمني لشخص آخر على القيام به؟

يبدو أنهم تناسوا بأن الحياة مُتعِبة، وإن لا شيء فيها سيُرضي رغباتنا دون تعبٍ جسدي، ونفسي، ومن غير المعقول أن يكون الانتحار هو الحل، بل هو بمثابة “سوء عاقبة” لأي شخص يفكر في الأمر.

  • ينبغي زيادة نشر الوعي الديني، والأخلاقي، عن طريق محاضرات تُلقى على الطلبة في المدارس كدروس تنمية بشرية، والأهم من ذلك كُلّه الأهل لهم الدور الرئيسي في الحد من هذه الحالة عن طريق مصادقة أبناءهم، وتشجيعهم بكلمات إيجابية، دون الإنتقاص منهم أو تهميشهم.

 

أخيراً لا يوجد أجمل من هذه الكلمات الإيجابية ألتي أختم بها مقالي، للحكيم «تشاندرا موهان» المعروف بـ «اوشو»:

“الحياة كلها تعب، ومعّقدة أرجوك كُنْ رحوماً مع ذاتك لا تفكر بالمثاليات، الحياة مصدر متاعب كثيرة إنما يمكن حلها، إنْ صعدتَ القطار الخطأ فيمكنك النزول منه، والركوب في القطار الصح، وإذا فقدتَ بطاقة السفر يمكنك شراء بطاقة جديدة، إذا زوجتك هربت مع رجل آخر فهناك نساء كثيرات غيرها”.

مشاكل الحياة يمكن حلها، أما تلك التي يخلقها المثاليون فيستحيل عليك إيجاد حلول لها.

كن بسيطاً لا لتعقيد الأمر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1): سورة النساء/ (٢٩، ٣٠).

(2): قرار مجلس محافظة بغداد، العدد٢٣٤٤، ١٦-٤-٢٠١٩(م).

(3): قانون العقوبات العراقي رقم١١١ لسنة١٩٦٩(م)، م ٤٠8.


#آيات_عادل


#ببليوثيرابيا_Bibliotherapy

 



الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق