مقالات
أخر الأخبار

«أطلقتم عليها ضلعاً أعوجاً… فصححت المسار»

«أطلقتم عليها ضلعاً أعوجاً… فصححت المسار»

 

الكاتبة: علا الجبوري

 

 الأصعب من الموت هو وصول الإنسان إلى مرحلة يتمنى بها الموت، مرحلة الاحتضار هي التي تفتك بنا، وليس الموت، لأن الموت هو نهاية كل الأشياء، وهو مرحلة كل مخلوق بالغها، لكن العيش في وسط الحياة دون هدف دون سبب دون وجهة نحاول الوصول إليها هو ما يمكن تشبيهه بالموت البطيء.

 

 منذ سقوط بغداد في عام (2003) وإلى يومنا هذا، وبعد مضي ستة عشر عاماً، تغيرت منظومة المجتمع العراقي عن بكرة أبيها. طقوس استحدثت، وعادات ألغيت، وأفكار تبلورت وأخرى تهدمت، أُناس استشهدت وأخرى فقدت، وغيرها ولدت، ومن حظي بنصيب أوفر هو الذي عاصر كل هذه التقلبات ورصدها وتعلم منها وعلمها لغيره بكل ما فيها من سلبيات وإيجابيات.

 

منذ القدم ونحن نسمع ونعرف أن المرأة نصف المجتمع، لكن هذه المقولة لم نلمسها في الواقع، ولم يظهر جوهرها ومعناها الخفي إلّا بعد اندلاع ثورة تشرين الأول للعام (2019) في العراق. فعلى الرغم من دور المرأة في كل التحديات والحروب والأزمات التي مر بها العراق إلّا أن دورها في هذه الثورة جعل الأنظار تلتفت إلى المرأة بقوتها وعزمها وجبروت ثباتها، وليس إلى جسدها ولبسها وشكلها، جعلت المرأة العراقية الثورة عنوان لحياتها وكرست جهودها لتتويج الانتصار باسم الشعب العراقي بنسائهِ ورجالهِ على حدٍ سواء.

 

منذ انطلاق الثورة على شكل احتجاجات بسيطة في منطقة (ساحة التحرير) في العاصمة بغداد، والمرأة ترافق الرجال إلى ساحات الاعتصام، تنادي بحب الوطن، وتطلب الاستقلال وتدعم طالبي الحق. لم تخف ولم تنهزم ولم تنكسر، ولم ترضى بكل محاولات إيقافها عن مسعاها الثوري المشرف. عاندت الظروف ونجحت، أهملت الشكل وتجملت بقوتها، تقوت بصبرها وظفرت.

لا نكران لدور المرأة العراقية في كل ما عاناه العراق سابقاً، لكن في هذه الثورة بالتحديد فهي ثورة نساء تطالب بحقوقها وإنسانيتها وحريتها. صوت المرأة في الثورة أعطى لها شرعية ومكانة أقوى مما هي عليه. أعطى دور المرأة لهذه التظاهرات إشارة إلى ما يمكن أن تفعله المرأة لو أنها أعطيت حرية وفرصة لكي تثبت نفسها وتحقق أملها.

 

رسمت هذه الثورة على جدران الساحات دور المرأة، وخطت بطولاتها بدعمها وروحها الوطنية الرافضة للخضوع للظلم، وأصبحت سند للمعتصمين في الساحات حتى بدون أي سابق معرفة. أسعفت المرضى، وداوت الجرحى، وقدمت الأكل والرعاية لكل المتظاهرين دون تعب أو كلل. تعرضت للتهديد والخطف والإصابة، ولكن هيهات أن تنحني وقد رفعت رايات القوة عالياً.

 

هذه الثورة خطت نمط حياة جديد للشعب بشكل عام وللمرأة بشكل خاص حيث أفرزت هذه التغيرات نساءً لا تخاف ولا تهاب من قول الحق. أعطت هذه الثورة للنساء المساحة التي لطالما سعين للحصول عليها ليعبرنّ عما يردنّ دون انتظار السب والقذف والإحباط، فكلما علا صوت المرأة داعياً لحقوقه كلما بدا الحق واضحاً لمطالبيه، وعلى الرغم من الخروقات التي حصلت والتي لا تمثل شريحة النساء الثائرة التي طرزت بطولاتها بخيوط من العفة والقوة فهناك من حاول إسقاط هذه المعاني الثورية وإحباطها لخوفهم من هذا الطور الفكري الذي أصاب المجتمع وزاد من وعيه بدور المرأة ومكانتها وأهميتها في بناء المجتمعات وتطورها.

 

ولا يخفَ على قارئ التاريخ دور النساء في حياة العرب عموماً، فها هو التاريخ يضيء مرةً أخرى وهو يسجل بطولات النساء بثورة تشرين الأول في العراق، والتي ستكون حلقة وصل بين ما تريده المرأة العراقية، وبين ما ستصبح عليه مستقبلاً.

وإلى ضعاف النفوس الذين يقولون أن دور المرأة في البيت والمطبخ والتربية فأقول: “تذكر أن من ربتك وسهرت عليك امرأة، ومن تحملتك امرأة، ومن ضحت لأجلك امرأة, ومن ساعدت لكي تكون ما أنت عليه اليوم فهي امرأة، ومن دون كل المخلوقات التي خلقها الله لم يجعل الجنة إلا تحت أقدام المرأة”. لذلك تذكر عزيزي الناقد لعمل المرأة وخروجها من دائرة السطوة الذكورية أن لولا المرأة لما تمكنت الشعوب من الوصول لما هي عليه اليوم، ولستُ أبالغ في قولي هذا، فالتاريخ العالمي بغربه وشرقه أنصف المرأة ليس لضعف فيه، ولكن ليقوي وجود الشعوب التي تباهت بنسائها وبدورها البطولي على جميع الأصعدة الحياتية.

 

#علا_الجبوري

 

#ببليوثيرابيا_Bibliotherapy

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق