مقالات
أخر الأخبار

«الفجوة»

أ. د. اللواء علي حسن الشرفي

«الفجوة»

بقلم أ. د. اللواء علي حسن الشرفي “رئيس أكاديمية الشرطة اليمنية، وأستاذ القانون بجامعة صنعاء سابقًا”

من طفولتي كغيري كنت أستمع لأستاذي في المدرسة وحتى الجامعة ولخطيب المسجد وربما شاركت في ذلك برهة من حياتي الخطابية ومن إعلامنا الرسمي أنَّ: المجتمع الغربي مجتمع متفوق ماديًا لكنه منهار أخلاقيًا، بل سمعتُ وما زلتُ أسمع وأقرأ لأحسنهم طريقة من يبشر تلاميذه وأتباعه بقرب انهيار الحضارة الغربية بسبب انهيارها الأخلاقي.

والحقيقة، ومن خلال ما شهدته وما سمعته مباشرة غير ذلك تمامًا.

فالأخلاق التي يتحدث عنها من يُنظر للغرب بازدراء هي أخلاق ما بين السرة والركبة فحسب. ولا يهمه بعد ذلك أن يكون عنصريًا سلاليًا يمارس سلوكًا طائفيًا أبشع من ألف زاني وزانية.

ولا أن يكون طاغية مخادعًا لشعبه سارقًا لثرواته لأجل مصالحه الحزبية، أو الفئوية، أو الشخصية، كتصرف أخلاقي هو أسوأ من ألف عاهر وعاهرة.

ولا أن يكون مناطقيًا يتعامل مع الآخرين بناء على الهوية واللون واللهجة كتصرف هو أسوأ من فعل ألف سكران وسكرانة.

إن التفوق الأخلاقي الذي يعبر عنه المجتمع الغربي اليوم من خلال السلوك العام للأنظمة وسلوك أغلب أفراد المجتمع مع الأقليات ومع اللاجئين ومع الألوان المختلفة دينيًا وثقافيًا لهو أكبر أنواع التفوق الحضاري وأهمها.

فالحقوق والواجبات المتساوية داخل المجتمع من رئيس الدولة إلى عامل النظافة فيها صورة أخلاقية ناضجة. وعندما يأتي اللاجئ فيمكث سنوات، وتنفق عليه الدولة ليعيش حياةً كريمةً في مسكنه وغذائه ودوائه وتعليمه وفي حقوقه السياسية والمجتمعية، بل وفي سلوك أفراد المجتمع معه لا يمنعه من ذلك لحيته التي تبدو مخيفة لبعضهم، ولا حجابها الذي يبدو غريبًا عن عاداتهم ولا لون بشرته الذي يميز الدخيل عن غيره، وتنتهي رحلة الكثيرين بقبولهم مواطنين في تلك الدول يتمتع بكل حقوق المواطنة.

حينما كنا في رحلة سياحية مع بعض الشباب ودخلنا حدود أربع دول أوروبية لم يسألنا أحد عن هوية ولا جواز ولا دين. لقد مررنا وفي الطريق عشرات الخمارات وعشرات الملاهي. لكن، تلك المرأة أو ذلك الرجل الذي يخرج من البار أو الملهى يمر بجوار الطير فيطعمه، والغريب فيبتسم في وجهه. كانت ذاكرتي ونحن نشاهد جمال أخلاق الإنسان الذي انعكس على الطبيعة حينها تستعيد بعض الذكريات حينما انتقلت مع عائلتي إلى أحد أحياء صنعاء الأصلية وكنت أستمع لبعض أهلها الأصليين وهم يشيرون إليّ أو إلى أخي الصغير فيقولون هذا (دخيلة).

وكان قلبي يتألم حينما كنت أتذكر أني دخلت يومًا محل دراجات هوائية في المكلا، وحين سألت البائع عن ثمنها؟ قال: ليست للبيع، وبحسن نية تعاملتُ معه بعفوية وصدق. وبقى السؤال في نفسي: لمَ يفتح المحل إن كان لا يبيع؟

وعند خروجنا سألتُ صديقي البريكي من شبوة: لمَ لا يبيع؟

تبسم وقال: لقد همس في أذني وقال: لا أريد أن أبيع لدحباشي.

مجتمعات تشعرك بالقرف إلى درجة التقيؤ على وجوه بعضها.

ما يحصل في الغرب من ثورة في القيم والأخلاق كانت وما زالت ترتكز على قداسة الإنسان بل وقداسة الحياة برمتها.

في كل يوم أذهب فيها إلى المسجد في ألمانيا أشاهد النهر الذي يجري تحت نافذته، والطيور مختلفة الألوان والأحجام والأنواع تتحرك على ضفافه، يأتي الأطفال فتكون لعبتهم المفضلة معها هي هدايا الخبز والابتسامة والتقاط السيلفي معها.

التفوق الأخلاقي الإنساني هو خلاصة بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

ما لم يكن تنافسنًا حضاريًا قائمًا على منظومة القيم والأخلاق الإنسانية فإن مجتمعاتنا ستبقى في مكانها الذي تقبع فيه الآن: ليس عند ذيل القافلة فحسب، بل خارج خط سير القافلة!

 

#ببليوثيرابيا_Bibliotherapy

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق