مقالات
أخر الأخبار

“مهمّة إقناع الصدر أنه ليس الله”

صبرائيل الخالدي

“مهمّة إقناع الصدر أنه ليس الله”

بقلم: صبرائيل الخالدي

منذ التوثية الأولى التي طبعها جيش المهدي على أجساد أخواتنا وإخواننا وصولاً إلى البيكيسيات والرشاشات والكواتم، كان مقتدى الصدر يشاهد أولاً بأول ما تفعله جماعاته بالشباب، وكان يتلقّى المشاهد قبل أن تصل حتى للصحافة، ومع ذلك لم يتدخل لإنهاء المهزلة التي تحوّلت إلى مذبحة سقط فيها شبان، كل شاب فيهم من عمر أحمد الصدر وعلي الصدر، ولا يقل أهمية في حرمة دمه عند الله والإنسانية والتاريخ عن مقتدى الصدر، وجعفر الصدر، ومحمد باقر الصدر، ومحمد صادق الصدر، وموسى الصدر.

كل شاب قُتِل أو تمت إهانته أو ضربه، له كرامة، تساوي كرامة أبناء العائلة المُقدسة.

كان واضحاً أن ضرب الشباب والانتقام منهم وحتى قتلهم هي رغبة داخل نفس مقتدى الصدر شخصياً… النفس النرجسية المُستكبرة المستقوية بكثرة الأتباع وبالسلاح.

يفاوض مقتدى الصدر شركاءه السياسيين بصفته “ملك الشارع”، فيما يقدم قادة الميليشيات أنفسهم مثلاً بصفتهم ملوك السلاح والكواتم والإعلام. وفي إيران أو غيرها، سيبدو الصدر بلا أوراق تفاوضية إذا لم يُثبت أنه هو “ملك الشارع” ولا أحد سواه.

ما فعله إخواننا هو أنهم “اعتدوا” على “مزرعة الصدر” المُتخيّلة.. الشارع، فحتى ما قبل الثاني من فبراير، كانت أغلب الأطراف الدولية والإقليمية تعتقد أن أمر التظاهرات بيد الصدر، والرجل وقع في هذا الفخ وصدّق هذا الحُلم، وحين انسحب وبقيت الساحات عامرة بالمُحتجين، شعر بطعنة في سرديته، لم يلبث أن انتقم من المتسببين بها.

أين هو الخلل في المشهد الذي سبق ذكره؟ الخلل في عقل الصدر، وليس في أي مكان آخر.

إذا لم يقتنع الصدر أن في هذا الشارع آخرون، لم يكونوا يعادونه لكنهم لن يعبدوه، فسيبقى يغوص في الرمال هو وأنصاره، لديه ترسانة مسلحة كبيرة ومال ومناصب وأتباع، وسيدخل في حرب استنزاف لإثبات ملكيته للشارع، وهو بذلك يُشابه أي “علماني مُتطرف غُر” كان يشتمنا أيام (2016) حين كنّا ندعو لتجاوز الأيديولوجيات، وإقامة شراكة مع الصدريين على مبدأ “الأهداف المرحلية المُشتركة).

لا أدري لماذا ينشغل الأصدقاء في حوارات مع الميليشيات الإلكترونية الصدرية، التي من الواضح أن ليس لدى عناصرها ما يقولونه!

قالوا في البداية إن المتظاهرين عملاء فائق الشيخ علي، رغم أن الساحة أصدرت تسعين بيان للتأكيد على إنه ما من مرشح للساحات.

ثم قالوا انتم عملاء الئمريكان

ثم قالوا نحن نضربكم ونقتلكم لأنكم تستفزوننا!

ثم قالوا أنهم يشنّون حملة إيمانية ضد الكحول والدعارة، لكن روايتهم اصطدمت بأسئلة تُعرّي أهدافهم الحقيقية.

فمن حيث المبدأ، مَن جعل الصدر خليفة المسلمين أو ولي أمرهم أو القائم بأمر الله؟، ومن جهة أخرى، إذا كان اقتحام المطعم التركي ضمن حملة مكافحة البيرة التي نباركها جدلاً:

فأين البيرة في ساحات بابل والنجف؟!

وأين البيرة في ساحة التربية وسط كربلاء، المليئة بخيم العتبات المقدسة التابعة للمرجع السيستاني؟

أما السؤال الأكثر فضحاً لأهداف مقتدى الصدر، فهو لماذا زامن حملة مكافحة البيرة المزعومة مع ليلة تكليف مرشحه محمد علاوي؟

وإذا كانت “تجمعات البيرة” كما يزعم جيش المهدي، مسلّحة ويصعب اقتحامها إلا بالسلاح، فلماذا لم تتم محاصرة المطعم التركي وبقية تجمعات البيرة والويسكي من المداخل مثلاً ومنع دخول هذه البيرة الملعونة حتى نفاذ مخزونها؟!

وإذا كان هدف مقتدى الصدر هو “تطهير التظاهرات من البيرة” كما يزعم أنصاره، فلماذا لم ينتخب عدداً من فضلاء التيار وشخصياته المُحترمة وخطبائه المُفوّهين وهم بالمئات، لزيارة “تجمعات البيرة” المزعومة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟.

أقول شهادتي الصادقة، وأنا الذي لا أشعر بالحرج من أني قريب من الشباب الصدريين الرائعين، أن هذا التيار يشبه العراق، ولا يمكن اختصاره بمكوّن محدد واطلاق تسمية “الصدريين” عليه، وما قام به مقتدى الصدر، هو أنه أختار “أسفل طبقة في التيار” ألبسهم القبعات، وأوكل إليهم مهمة الإنتقام من الشبان لأنهم كسروا ادعاءه بامتلاك الشارع.

طبقة “قاع التيار” المُجمّدة هذه، والتي ترتدي الآن القبعات، ثم تخلعها، كانت طيلة أربع سنوات تشعر بالتهميش، بسبب صعود الشبان الصدريين القراء المثقفين المُنفتحين الوطنيين، الذين غيّروا وجه التيار، بينما عجز “جيل الصك وأبناؤهم” عن مواكبة التحديث والهزّة الفكرية التي قادها شباب التيار، لذلك شعروا أنهم قد تمّ التخلّي عنهم رغم “خدماتهم الجليلة!” فأدّخرهم الصدر للمهام القذرة، واليوم… يشعر أبناء هذه الطبقة المحبوسة منذ أربع سنوات على الأقل بالنشوة بعد أن أطلقهم الصدر ضد الساحات، وقد شاهدتهم الفيديوهات التي تُظهرهم وهم يتفاخرون بعبارات “قبل كنّا نجيكم بالبطات.. والآن بالتوثية”.

منذ اطلاق الصدر حربه على المتظاهرين، انكفأ الشبان الصدريون المثقفون عن المشهد، وما أكتبه هنا وما تصلني من مشاهد مسرّبة، جميعها تصلني وتصل إلى غيري من شبان التيار الذين آمنوا بالشراكة مع المُختلف، والتعايش.

هناك اختلاف في القيم بين طبقتين في هذا التيار، الأولى تُشبهنا، تعتقد أن العلس والصك والضرب ورفع السلاح والتهديد هي قيم معيبة ومُخجلة ومُخزية وهي من “شيم” الميليشيات، وقد اجتهدت هذه الطبقة خلال سنوات بتسويق فكرة أن “جرائم جيش المهدي كانت في الحقيقة جرائم قيس الخزعلي والميليشيات المنشقة التي لفظها مقتدى”.

أما الطبقة الثانية، أبناء (2006)، تتفاخر بالعلس والاعتداء، وبالإجرام الذي يتقزز منه أبناء الطبقة الصدرية الرفيعة، و أنتم تشاهدون الآن بوضوح تعليقات (نندل بيتكم، سحلنالكم، جاييكم بالبطة” وغيرها.. هذه الطبقة تعتقد أن العلاسة فخر، وهي الطبقة التي أطلقها الصدر علينا لفرض علاوي والسيطرة على الساحة بالقوة.

الطبقة الصدرية الرفيعة هي التي تُطلق شائعات أن الصدر مُحتجز ومُختطف مثل سعد الحريري وغيرها من التمنيات، هي تُطلق آخر خيوط التمسك بزعيمها الذي تتمناه، لكنها تستعد لمغادرته بعد أن قرأت كثيراً، وفهمت أكثر… أن العراق أكبر بكثير من أحلام زعيم يعتقد أنه أب يحق له ضرب وإهانة وبيع وشراء واحتكار الناس.

يكثر الصدر من استخدام مفردة “أبوية” وهو إذن يعتقد أنه “أبونا” وأن مسلحيه “أبهاتنا” أيضاً، وأن بإمكانهم ضربنا بالعصي، أو قتلنا إذا لزم الأمر من أجل مصلحتنا، خاصةً وأنّنا أبناء عاقّون، لا ننسحب من الساحات حين يشتهي أبونا أن ينسحب، ولا نمرر مرشح أبونا لرئاسة الوزراء، ما يعني لاحقاً أننا سنتجرأ ونبدأ بإيصال بعض أحلام أبونا إلى الصحافة، كسعي أبونا إلى ابتلاع سلّة مناصب ومصارف عراقية على رأسها المركزي.

في النهاية، نعرف جميعاً، وشخصياً كأحد القريبين من أجواء التيار الصدري، ناقشت ما يسمونه “الضعف الإعلامي” لدى هذا التيار وقدمت مقترحات لشبابه، لذلك يبدو مثيراً للسخرية بالنسبة لي، أن ضعفهم يقودهم لاستنساخ سرديات قناة قيس الخزعلي وبقية قنوات اتحاد التلفزيونات الإيرانية وكُتّاب التومان.

في الحقيقة ليس لدى المستكلبين على التظاهرات، الصدريين أو غيرهم إلّا محتويات الگونية ذاتها:

الإساءة إلى فتيات وسيدات التظاهرات لأنهم يعرفون مكانة شرف المرأة العراقية، فيعمدون إلى طعننا في هذه المنطقة.

تداول صور صناديق البيرة وقناني المولتوف كما في تعليقات الإيرانيين وجيش المهدي أدناه.

واستنساخ ما في صفحة عباس شمس الدين من اتهامات بالجوكر والعمالة للسفارة الأمريكية، مع أن أحداً من متظاهري تشرين لم يجالس محمد بن سلمان ولم يصلي خلف القرضاوي على بعد أمتار من قاعدة السيلية الئمريكية.

أقول إن ما يسميه “الصدريون” ضعفاً إعلامياً هو ليس كذلك، بل هو ضعف في السردية التي تقدمونها، بين قوسين، ليس لديكم ما تقولونه، بيرة دعارة ئسفارة.. هذه مفردات تسرقونها من أفواه وصفحات الإيرانيين.. أما أنتم فمُفلسون، لديكم هروات كثيرة وكلاشنكوفات وأسلحة متنوّعة وجيش علاسة مُجمد ذوبتموه علينا، أهلاً بكم.. حوّلتمونا إلى أعداء وقررتم تأديبنا من أجل أن تقنعوا الإيرانيين أنكم ملوك الساحة، كنا نقول لكم أنتم شركاؤنا، لكنكم تريدون استعبادنا، نسيتم أننا خرجنا ضد الاستعباد ومن أجل وطن!، سنعالجكم بما يسوؤكم ويسوء ربكم، في كل مكان.. في الساحات سنهتف بترياقكم:

شلع قلع والگالها وياهم

ألعن أبو إيران لأبو أمريكا (تقولون إننا اتباع أمريكا وإنكم لستم أتباع خامنئي لكنكم تضربوننا كلما سمعتم هذا الهتاف)!

ألعن أبو توفيق لأبو النصّبه (تقولون انه ليس مرشحكم لكنكم تضربوننا كلما شتمنا مرشح زعيمكم)!

وخارج الساحات… حيث توثيق الجرائم، سنوثّق كل جرائمكم، سواء ارتديتم القبعات ام خلعتموها جبناً.

سنلاحق سرقات ربكم، أحلامه بالمصارف، عودته إلى منصب أمين عام مجلس الوزراء، ابتزازه لوزير الصحة… وسنكشف لجمهوركم أولاً بأول كيف كنتم تستجدون منصب محافظ البنك المركزي والمصارف حتى في اللحظة التي كان يتساقط فيها أبناؤكم برصاص القناص.

راهن مقتدى الصدر على أن زعامة شيعة العراق لا تتم إلّا بتكليف خامنئي!

ونقول، يا سيد مقتدى، أنظر إلى هذه الساحات بالبراغماتية التي أدمنتها، ولم تفلح مرة واحدة بلعبها كما يلعب خصومك رغم محاولاتك الفاشلة، راهن على الساحة وليس على خامنئي… راهن على وجه صفاء السراي الذي أزال أنصارك صورته من المطعم وليس على علم فلسطين الذي رفعته إرضاءً لخامنئي.

راهن على شجاعة الذين يصرخون بوجه تواثيك ورشاشاتك “شلع قلع وأنت يا مقتدى وياهم” هؤلاء هم مَن يمنحوك الزعامة إذا تقدمت باتجاهم… وهم مَن سيحوّلونك إلى زعيم ميليشيا تشبه قيس وابو آلاء إذا استمر عناصرك بقتلهم.

هذا العراق.. الذي استوعب كثيراً من أمثال عائلتك الوافدة فقط لأنهم آمنوا به…

آمِن به وكفّ شر مسلحيك عن أبنائه…

اتخذ قرار الرجال ولا تكن كالمالكي الأحمق…

عُد خطوة إلى الوراء وأعد مسلحيك إلى سراديبهم وأعد لنا الشباب الصدريين الرائعين وإلّا فإنهم قادمون إلينا وتاركوك مع أبو درع وأمثاله… وحينها لا زعامة على الشيعة ولا على الفصائل ولا بنوك!


#ببليوثيرابيا_Bibliotherapy

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق