مقالات
أخر الأخبار

سلطة الرمز الديني في اللاوعي الجمعي العراقي

أ. د. قاسم حسين صالح

القسم الأول من الدراسة التي تمهد لفهم ظاهرة السيد مقتدى الصدر من منظور علم النفس:

 

بقلم: أ. د. قاسم حسين صالح (مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية)

 

سلطة الرمز الديني في اللاوعي الجمعي العراقي (1-2):

مقتدى الصدر أنموذجًا

نعني بـ”الرمز” هنا شخصًا حقيقيًا أو افتراضيًا، حيًّا أو ميّتًا، له قدرات استثنائية على أنجار مهمات وحلّ مشكلات ليس بمستطاع الفرد العادي تحقيقها، ويصبح الفرد والرمز حالة واحدة من خلال آلية نفسية هي التماهي أو التوحّد (Identification)، أي أخذ صفة أو أكثر من شخصية الرمز، يتمثلها ويدخلها في شخصيته ليتشبّه بها، لا ليقلدّها!

تاريخيًا، دخلت “فكرة” الرمز إلى لاوعي الفرد يوم كان أجدادنا القدماء يؤمنون بقوى غيبية وكائنات خرافية لها فعل مؤثر في الكون والإنسان من قبيل: الزلازل، الطوفان، الرعد، والبرق. حتى اختلال عقل الإنسان أو إصابته بالجنون كان يخضع للتفسير ذاته. فأسلافنا كانوا يعالجون المجانين بفتح ثقوب في جماجمهم لتخرج الأرواح الشريرة من أدمغتهم بالتخويف والتهديد. وما يزال بعض العراقيين يربطون المجنون (أي المصاب بالشيزوفرينيا) بشباك ضريح إمام ليخرج الجنّي من رأسه، وشهدتُ بنفسي رجلًا يضربه (السيّد) بالسوط ويزعق بالجني ليخرج متوعدًا إياه بقتله في مشهد ميلودرامي!

ما حصل للعراقيين أنَّ آلية التوحّد هذه انتقلت من التوسل بالرمز الديني لحل مشكلة صحية أو اجتماعية إلى التوسل به أن يخلّصهم من طاغية… أبرزها أنَّ جموع العراقيين كانوا في زمن النظام الدكتاتوري يقصدون أضرحة الأئمة يدعونهم لأن يخلصونهم من صدّام.

وقبلها، كنّا أجرينا دراسة زمن الحرب العراقية الإيرانية لرسائل كانت مرميّة في ضريحي الإمامين الكاظم في الكاظمية وأبي حنيفة في الأعظمية، وجدنا إنَّ مطالبها كانت من اختصاص وزارات الدفاع والداخلية والصحة: عودة أسير من سجون إيران، إطلاق سراح معتقل في بغداد، شفاء مريض، طلب انجاب لزوجات مضى على زواجهن سنوات، وتليين قلوب الأهل للزواج من المحبوب!

المفارقة، إنَّ سلطة الرمز الديني هذه يفترض أن تضعف في زمن النظام الديمقراطي، وما حصل هو العكس، فلدى متابعتنا لمقابلات أجرتها قنوات فضائية مع زائرين وزائرات لضريح الإمام موسى الكاظم في (9/8/2007)، وجدنا أن لديهم حاجات يأملون تحقيقها من هذه الزيارة حددوها في إجاباتهم على ألسنتهم بالآتي:

 – نريد الأمان، أولادنا تكتلوا “قتلوا” واحنه عايشين بخوف وإلى متى نظل اليطلع من بيته ما يدري بروحه يرجع لو يموت.

– نريد الكهرباء، الله أكبر طگت أرواحنا.

– نريد السياسيين يتصالحون ويديرون بالهم على الشعب مو يظلون يتعاركون على الكراسي والشعب حال الضيم حاله، يزي عاد تره شبعنا تعب.)، مع إنَّ الأمام موسى الكاظم لا علاقة له بهذا الموضوع؛ بل إنَّ جدّه الإمام الحسين لو خرج الآن متوجها إلى الخضراء مطالبًا بالاستجابة للمطالب المشروعة للمتظاهرين لخيروه بين العودة من حيث أتى أو القتال.

وقد يبدو اللاوعي الجمعي لكثيرين أشبه بشخص (فاقد الوعي)، غير إنه يعمل بآليات توحي بعكس ذلك، نوجزها بالآتي:

1- يغلّب العقل الانفعالي على العقل المنطقي في سلوك الفرد والجماعة، ويعطّل العقل المنطقي في أوقات الأزمات. (في يوم واحد من شهر تموز 2005) بلغ عدد القتلى بالإحتراب الطائفي في العراق مئة ضحيّة!

2- يستقطب الناس في مجموعتين متضادتين، جماعة الـ “نحن” التي ينتمي لها وجماعة الـ “هم” الأخرى.

3- يتصف بأنه (أحول عقل)، يرى في الـ (نحن) الإيجابيات ويغمض عينه عن السلبيات، ويرى في الـ (هم) السلبيات ولا يرى الإيجابيات، ويخرج بتعميمات خاطئة أن جماعته هي الأفضل في كل شيء.

4- يفهم الصراع على إنه (أكون أو لا أكون)، وأنه إما غالب أو مغلوب، ولا يرى الجانب الإيجابي في الصراع.

5- يؤمن بفكرة (المخلّص)، وبأنه سيظهر في يوم ما شخص بمواصفات استثنائية يقيم العدل بين الناس.

ومن مفهوم اللاوعي الجمعي هذا، الذي غفل دوره السياسيون والباحثون، ظهر مفهوم السلوك الجمعي (Collective behavior)، ويقصد به (السلوك غير المنظّم الذي ينشأ تلقائيًا، ويعتمد على التأثير المتبادل بين الأفراد المشاركين فيه).وهذا السلوك يعمل بآليات، أخطرها: تقديس الشخصيات وصناعة البطل الاستثنائي والقائد الأوحد، من خلال عدوى العقل الشعبي الذي يستجيب فيه الفرد لإغراءات الجموع التي تتصرف وفقًا لمّا يوحى لها من (الرمز)، فتتراجع شخصية الفرد، حتى لو كان مثقفًا، ليتولى اللاوعي الجمعي توجيه سلوكه. وبشيوع سيكولوجيا (الإيحاء) و (العدوى الاجتماعية) تتصاعد حدة الانفعالات في الجموع وتستثار نحو هدف تفرّغ انفعالاتها الجياشة فيه وفق ما يوحى إليها من (الرمز).

فهل تنطبق هذه على السيد مقتدى الصدر وتياره وأنصاره… ذلك ما سنتحدث عنه في الحلقة القادمة.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

#ببليوثيرابيا_Bibliotherapy

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق