مقالات
أخر الأخبار

«المرأة العاملة: وتحولات القبول»

ريام الربيعي

«المرأة العاملة: وتحولات القبول»

 

بقلم: ريام الربيعي

 

لطالما كان عمل المرأة في المجتمعات العربية «الشرقية»، نقطة يُتَوقف عندها كثيرًا، ذلك لطبيعة تفكير المجتمع الشرقي، الذي يُعيب عمل المرأة، لدرجة قد تصل بعض الأحيان لحد التجريح والطعن بها عند عملها ببعض المجالات، بالإضافة لأعرافه وقناعاته الراسخة، بأن العمل هو مسؤولية الرجل البحتة، مثلما إن المنزل هو مسؤولية المرأة البحتة. فكما إن مشاركة الرجل لزوجته في الأعمال المنزلية أمر يعاب على الرجل، كذلك عمل المرأة وتشاركها مسؤولية الإنفاق على البيت أمر يعاب على الرجل أيضًا، وفي كلتا الحالتين يتحمل الرجل التبعات، كون مجتمعنا ذكوري كما هو معروف.

 

لكننا شهدنا حالة استثنائية في هذا الصدد، تمثلت بانخراط المرأة في سوق العمل دون أن يطالها نقد كبير، إلّا من المتعصبين جدًا لذكوريتهم وشرقيتهم، وهذه الحالة كانت في تسعينيات القرن الماضي، حين كان الشعب العراقي يرزح تحت طائلة الحصار الاقتصادي المقيت، الذي فُرض عليه، عقب اجتياح النظام البائد، لدولة الكويت.

في تلك الحقبة السوداء، اضطرت النساء وخاصة من المتزوجات أو ممن كن يأخذن دور المعيل لعوائلهن، اضطررن للبحث عن الوظائف ودخول سوق العمل، من أجل لقمة العيش التي شحت في ذلك الوقت، رغم أن الكثير من الوظائف والأعمال وقتها، كانت ذات مردود يكاد لا يسد الرمق، لكنه مع وجود فرد آخر من الأسرة أو أكثر، لديه عمل، فإن الأمر قد يشكل بعض الفارق.

هذه الحالة شهدت تكرارًا في الألفية الثانية، فبعد الاحتلال الأميركي، وسقوط نظام الحكم في العراق، وتعاقب الإدارات الحكومية الفاشلة فيه، عاد الواقع الاقتصادي يشهد تراجعًا مستمرًا.

ففي السنوات الأولى لسقوط نظام صدام حسين، وصعود المعارضة الخارجية إلى سدة الحكم، كان البلد يحظى بموازنات اقتصادية، لا يمكن وصفها إلا بالانفجارية.

غير إنه مع تنامي ظاهرة بناء «دول داخل الدولة» من قبل الأحزاب والقوى السياسية، فأن الأمور بدأت تأخذ منحى آخر.

ففي العقد الثاني من الألفية الثانية، ومع بداياته تقريبًا، بدأت الأزمات الاقتصادية تطفو على السطح، مع تكدس لأعداد كبيرة من الخريجين الباحثين عن عمل، حتى وصل الحال من موازنة انفجارية بإمكانها أن تغطي نفقات عدة دول، إلى موازنة تقشفية بالكاد تغطي نفقات البلد، هذا فضلًا عن اختفاء موازنة عام (٢٠١٤)، المشؤوم، الذي شهد اجتياح عناصر «داعش» الإجرامي، لمساحات واسعة من عدد من محافظات العراق، الأمر الذي أثقل ميزانية البلد، بمصاريف إضافية كبيرة، فرضتها الحرب العسكرية ضد التنظيم الإرهابي. ليعود الواقع الاقتصادي إلى الانحدار أكثر وأكثر نحو الهاوية، ما أضطر الكثير من النساء للبحث عن عمل، لإعالة عوائلهن، أو لمساعدة أزواجهن في تحمل مسؤولية الإنفاق على البيت والأسرة، دون أن يكون العمل أمرا معابًا لا على المرأة ولا على زوجها، أو ربما أفراد عائلتها الذين تشاركهم تحمل المسؤولية.

وهنا نلاحظ تحولات وتقلبات قبول وتقبل عمل المرأة في المجتمع الشرقي، حيث إن الأمر مرتبط بالواقع الاقتصادي، أكثر من ارتباطه بالعرف الاجتماعي، وهذا يوضح هشاشة وعدم منطقية العرف الاجتماعي الراديكالي، الذي يقصي المرأة من العمل، ويبقي سطوة الرجل طالما الأمور بخير، لكنه يتناسى ما سَنّه من عرف وتقليد حين تتدهور الأمور وتنجرف نحو الهاوية، حينها يُصبح عمل المرأة أمر طبيعيًا ولا غبار عليه، إلا كما ذكرنا آنفًا، من المتعصبين جدًا لذكوريتهم وشرقيتهم، وكأن المجتمع بغالبيته، يتعامل مع عمل المرأة تحت قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات».

 

والآن ونحن في أزمة اقتصادية تزداد يومًا بعد آخر، صرنا نلاحظ جليًا، وجود النساء بسوق العمل بشكل كبير، حيث إن الكثير منهن يشاركن بتحمل أعباء الإنفاق على البيت والأسرة، بل في بعض الأحيان، نجد أن هناك نساء في الكثير من مختلف الدول العربية، وبالذات الدول التي شهدت حروبًا ونزاعات، يُعِلن عوائل بأكملها، نتيجة لعدم تمكن الزوج أو الأب أو الأخ من الحصول على وظيفة أو عمل، أو ربما لأسباب صحية أو بسبب الإعاقات التي جادت بها الحروب الكثيرة على الكثيرين، وفي بعض الأحيان لتخلف البعض عن مسؤولياتهم، لسبٍب أو للآخر.


#ريام_الربيعي


#ببليوثيرابيا_Bibliotherapy

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق