مقالات
أخر الأخبار

«أزمات الشعوب النفسية»

ريام الربيعي

«أزمات الشعوب النفسية»

بقلم: ريام الربيعي

كل إنسان يولد وهو مؤهل لأن يصاب بأي مرض جسدي، أو عقلي، أو نفسي، وما إمكانية حدوث ذلك إلّا أمرًا متروكًا للبيئة والظروف التي يعيش فيها.

 الكثير من أفراد الشعب العراقي أصبحوا اليوم مرضى نفسيين، وإن لم يظهر عليهم ذلك، وهذا أمر طبيعي، بل أقل من الطبيعي نتيجة لمّا قاسوه وعانوه من حروب واقتتالات وانقلابات ودمار وشتات وغيرها…، ليس ذلك فحسب، بل إن الحالات التي بدأت تظهر في السنين الأخيرة ما هي إلّا حالات فردية لآلاف الحالات أو أكثر التي لم تأتها الفرصة المناسبة لتُظهر حقيقتها المعذبة، الفرصة التي تجرها إلى تصرفات لا يفعلها ولا يصدقها أي إنسان سوي.

 

فالأم التي ترمي أبناءها في النهر، والأب الذي يحرق أبنائه، والزوجة التي تقتل زوجها، والزوج الذي يحرق زوجته، وغيرها الكثير، ما هي إلّا عينات بسيطة يتجلى فيها حجم الضغوط النفسية، وحجم التخلخل الذي أصاب نفسية وعقلية الفرد العراقي وكل فرد عاش وما زال يعيش في حقبة مأساوية.

 

نحن إذ نلوم هؤلاء على أفعالهم، ذلك لأننا ما زلنا نملك حبة العقل والمنطق، التي تمكننا من رؤية بشاعة هذه الأفعال ولا إنسانيتها، غير أننا مؤهلين وبقوة لأن ننجر في انحدار نفسي بأي لحظة، طالما أننا نعيش في واقع مأزوم ومضغوط بشكل متلاحق، دون أن نحظى بأي فرصة نعيد من خلالها ترتيب حياتنا، ودوزنة تفكيرنا، وتهذيب نفوسنا.

بالعودة للفرد العراقي، شخصيًا أعتبره ذو طاقة تحمل عالية وصبر استثنائي، وهو يعيش منذ عقود، دوامة التعذيب والقتل والدمار والتأخر. فالعقود الأخيرة، أو ما نستطيع تسميته «تاريخ العراق الحديث»، ليس إلّا شلال دم لم ينقطع، ويأبى أن ينقطع.

ولو أننا وضعنا أي أمة أو شعب، تحت مطرقة الأسى المهولة هذه، وهي تدق رؤوس أفراده ليل نهار وعلى مدى سنين طويلة، وعقود كثيرة، لوجدنا أن ما يجري حاليًا ماهي إلّا حالات متأخرة الظهور، وأنها لكانت قد ظهرت منذ السنين الأولى بالنسبة لهم.

فحالات الانتحار، والنسب العالية للمرضى النفسيين، وأرتفاع معدلات الجريمة، موجودة حتى في الدول التي تُعد أنموذجًا للتحضر، والتقدم، والرفاهية، فما بالك بدولة منهكة، متداعية كالعراق!

وعليه لا بد من تحية إجلال لهذه النفس العراقية المعذبة، وهي تعض على الجُرح، وتجترع الألم، لئلا تنزلق في منحدرات التدني الإنساني، منذ عقود طويلة. أخيرًا، الكلام هنا ليس لتبرير أي جريمة ارتكبت أو يمكن أن تُرتكب، لكن لإيضاح أهم الأسباب التي ساهمت بظهور هذا الكم والنوع من الجرائم في الفترة الأخيرة.

 

#ريام_الربيعي

 

#ببليوثيرابيا_Bibliotherapy

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق